أحمد بن الحسين البيهقي

29

كتاب القضاء والقدر

تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ : « فسلب عنهم فعل القتل والرمي والزرع مع مباشرتهم إياه وأثبته لنفسه ليدل بذلك على أن المعنى المؤثر في الوجود بعد العدم هو إيجاده واختراعه ، وخلقه وتقديره ، وإنّما وجد من عباده مباشرة تلك الأفعال بقدرته حادثة أحدثها خالقه على ما أراد فهو من اللّه سبحانه وتعالى خلق على معنى أنه هو الذي اخترعه بقدرته القديمة ، وهو من عباده كسب على معنى تعلق قدرة حادثة بمباشرتهم التي هي إكسابهم » « 1 » . وإذا عرفنا أن تلك القدرة الحادثة التي يذكرونها لا تأثير لها عندهم بوجه البتة عرفنا دقة وصف العلّامة ابن قيم الجوزية لهذا « الكسب » الذي ابتدعوه حين قال : « إنه لفظ لا معنى له ، ولا حاصل تحته » « 2 » . بل هو من محالات العقول ، إذ إن إثبات قدرة لا أثر لها بوجه كنفي القدرة أصلا وهو ما اعترف به عدد من محققي المذهب الأشعري أنفسهم كالإيجي والجويني والرازي وغيرهم « 3 » . ولذا قيل : ثلاثة أشياء لا حقيقة لها : طفرة النّظّام ، وأحوال أبي هاشم ، وكسب الأشعري « 4 » . قال شيخ الإسلام - ابن تيمية - رحمه اللّه تعالى : « وكثير من المتأخرين من المثبتين للقدر من أهل الكلام ومن وافقهم سلكوا مسلك جهم في كثير من مسائل هذا الباب ، وإن خالفوه في ذلك إما نزاعا لفظيا ، وإما نزاعا لا يعقل ، وإما نزاعا معنويا ، وذلك كقول من زعم أن العبد كاسب ليس بفاعل حقيقة ، وجعل الكسب مقدورا للعبد ، وأثبت له قدرة لا تأثير لها في المقدور ، ولهذا قال جمهور العقلاء : إن هذا الكلام متناقض غير معقول ، فإن القدرة إذا لم يكن

--> ( 1 ) ( ص 168 ) من هذا الكتاب ، و « الاعتقاد » ( ص 60 ، 61 ) . ( 2 ) « شفاء العليل » ( ص 313 ) . ( 3 ) العلم الشامخ : ( ص 264 ) . ( 4 ) « مجموع الفتاوى » ( 28 / 128 ) .